محمد بن جرير الطبري
114
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مما يدل على صحة تأويل من تأول ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال : يوشع ، وكالب . وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك : " قال رجلان من الذين يخافون " بضم الياء " أنعم الله عليهما " . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا هشيم ، عن القاسم بن أبي أيوب ، ولا نعلمه أنه سمع منه ، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرؤها بضم الياء من : " يخافون " . وكأن سعيدا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، كانا من رهط الجبابرة ، وكانا أسلما واتبعا موسى ، فهما من أولاد الجبابرة ، الذين يخافهم بنو إسرائيل وإن كان لهم في الدين مخالفين . وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قال : هي مدينة الجبارين ، لما نزل بها موسى وقومه ، بعث منهم اثني عشر رجلا ، وهم النقباء الذين ذكر نعتهم ليأتوه بخبرهم . فساروا ، فلقيهم رجل من الجبارين ، فجعلهم في كسائه ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ، ونادى في قومه ، فاجتمعوا إليه ، فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : نحن قوم موسى ، بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم ، فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل ، فقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه ، فقولوا لهم : اقدروا قدر فاكهتهم فلما أتوهم ، قالوا لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى وهارون ، فقالا لموسى : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فعلى هذه القراءة وهذا التأويل لم يكتم من الاثني عشر نقيبا أحدا ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة وشدة بطشهم وعجيب أمورهم ، بل أفشوا ذلك كله . وإنما القائل للقوم ولموسى : ادخلوا عليهم الباب ، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخول عليهم من الجبابرة ، كان أسلما وتبعا نبي الله صلى الله عليه وسلم . وأولى القراءتين بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا لإجماع قراء الأمصار عليها ، وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لا يجوز خلافها ، وما انفرد به الواحد فجائز فيه الخطأ والسهو . ثم في إجماع الحجة في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب ، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح الياء في ذلك وفساد غيره ، وهو التأويل الصحيح عندنا لما ذكرنا من إجماعها عليه . وأما قوله : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فإنه يعني : أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم ، وانتهائهم إلى أمره ، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل الذي حذر عنه أصحابهما الآخرين الذين كانوا معهما من النقباء . وقد قيل : إن معنى ذلك : أنعم الله عليهما بالخوف . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا خلف بن تميم ، قال : ثنا إسحاق بن القاسم ، عن سهل بن علي ، قوله : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قال : أنعم الله عليهما بالخوف . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، كان الضحاك يقول وجماعة غيره . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثني عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالهدى فهداهما ، فكانا على دين موسى ، وكانا في مدينة الجبارين . القول في تأويل قوله تعالى : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل إذ جبنوا وخافوا من الدخول على الجبارين لما سمعوا خبرهم ، وأخبرهم النقباء الذين أفشوا ما عاينوا من أمرهم فيهم ، وقالوا : إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فقالا لهم : ادخلوا عليهم أيها